السبت، 20 فبراير، 2010

غسان!...غسان!..

عقارب الساعة تلامس العاشرة صباحاً لحظة دخولي المكتب.توجهت فوراً الى مكتب غسان للاطمئنان عليه .

لم يكن غسان قد وصل بعد ورأيت أحد المحررين "عمرعزالدين" (من راس المتن) يجلس على مقعد غسان ، فنهرته وطلبت منه ترك المقعد فوراً ، لم يتحرك عن المقعد، وكان يمسك بسماعة الهاتف وقال وهو يبكي (غسان!... غسان!...)

فصرخت به : في أي مستشفى ؟؟ الى أي مستشفى نقلوه؟

لم يجب واستمر في حالة من الهستريا يهذي :

(غسان!...غسان!..) وهو يبكي ،اقتربت منه وهززت كتفه وسألته : ياعمر قل لي الى مستشفى نقلوه؟

اجاب عندها عمر بصوت لايكاد يُسمع (لا داعي لمستشفى ، لقد مزقزه إرباً ).

صعدت السيارة وأمرت السائق بالإسراع الى منطقة مارتقلا ،الى منزل غسان.

وتخابطت افكاري ،لكني كنت امر بحالة بدء الصدام ،فلم أعد أفكر إلا بالمعركة وتجلدت كل الاحاسيس الاخرى . ورحت اتحرك كآلة مقاتله.

مئات من الاشخاص تجمعوا واختلطوا مع رجال الشرطة ، أمن ، مقاتلون من الجبهة الشعبيه ، قيادات من الجبهة ،مسؤلو الامن في الجبهة الشعبيه ،مسؤلو امن فتح ...

كانت آني زوجة غسان (آني من اصل دنماركي)مصابة بحالة من الهستيريا وأخت غسان فايزة (كانت اعز اخوته ،فقد كانت بالنسبة اليه بديله عن الام وترعاه منذ ان كان فتى صغيراً ، وكانت قد تزوجت وسافرت الى الكويت لتعمل مديرة مدرسة واشترت الشقة في مار تقلا كي يسكن فيها غسان) منهارة تماما فقد فقدت اعز انسان لديها غسان وفقدت اغلى ما لديها ابنتها لميس التي كانت مع خالها غسان .

كان نصف جسد غسان العلوي متكاملاً، وعلت وجهه الابتسامة ،اما يداه وأحشاؤه وقدماه فقد تفتت وجُمعت قطعاً .

في اليوم التالي خرجت لغسان جنازة ضخمة ودفن في مقبرة الشهداء وكان اول شهيد يدفن فيها.

هز استشهاد غسان كنفاني الشعب الفلسطيني بأسره ، وبكته أعين في حيفا وعكا والجليل والقدس وغزة وكل انحاء فلسطين .

خرجت بيروت في وداع الاديب والفنان والصحافي غسان كنفاني ،اللبنانيون والفلسطينيون والأجانب على حد سواء فقد كان غسان قيمة ثقافيه كبرى .

فقد خرجوا يدعون نموذجاً نادرا للبقاء والمقاومة ... يدعون شجرة صبار نادرة ،عرفت كيف تحتفظ بقطرات من ماء الحياة ،لتعيش وردة نادرة عرفت كيف تضم اوراقها الى قلبها لتحميه من المخاطر ولتحيا حياة العطاء .

قلمٌ لا يتوقف عن الابداع ،حتى عندما لا يكتب شيئا كان يرسم الكلمات ،فنان كان يصب جام عواطفه عبر شعلة من نار الاوكسجين تطوع الحديد البارد ،الصامت وتحوله الى لوحة ناطقة .

إنسان كانت شراينه تحمي مابقي من برتقال (أرض البرتقال الحزين).

ودعت بيروت غسان التي احتضنته يوم كان طريداً يلاحقه أعداء الحق والحرية والإبداع وأعطته أمناً وسلاماً ودفئاً وحضناً وثيراً .

وتصدمك الحقيقة من خيال ، وتناديك : غسان مات ...غسان مات .

أما انا فقد فقدت الكثير ،أكثر بكثير من فقداني قبطان السفينة ،فقد فقدت تؤام الروح والقلب والعقل ، فقدت شجرة الصبار التي علمتني كيف احافظ على الحياة وأبقى بخزن قطرة ماء واحدة.

علمني كيف أستل من جرحي سلاحاً، علمني ان للدمعة معنى اخر غير الحزن ،علمني كيف اتحدث الى وردة صغيرة نبتت في غابة كبيرة ،علمني كيف اقنص بالكلمة وكيف اطلق النار بالحروف

طريد بلا هوية ، بلا جواز، بلا وطن ، احتضنته بيروت ،طمأنته ،منحته هوية وجواز سفر ومدينة حب ،فأظهر ما لديه من شجاعة وبأس في الدفاع عن الحق والحرية والديمقراطية والجمال….

بيروت مدينتي …بسام ابوشريف

NMJNCN

هناك تعليقان (2):

jafra يقول...

غسان ....
عند قراءتي لتلك الكلمات التي اورتها نقلا عن الكاتب
لم اتمالك نفسي و اقشعر بدني
كم غسانا فقدنا ربما الكثير و لكن لغسان كنفاني قصة اخرى
لم اتعرف على غسان كنفاني و غيره من كتاب ...
بل كان يعيش يومه معنا بالمنزل و يطل علينا من خلال الارفف الضيقة بنظرة ........
لا اعرف
و لكن غسان - ناجي العلي - محمود درويش - سميح القاسم و غيرهم الكثير كانوا يلتفون حولنا على مائدة الفطور ليشموا رائحة الزعتر التي تعده جدتي كما كانت في البلاد
و اضيفت جدتي الى قائمتهم و صارت تمارس طقوسهم في الالتفاف اليومي حولنا
و الان ما زال غسان بتلك النظرة الثاقبة ينظر بها الى محتويات غرفتي و مكتبتي الضيقة التي حشرته بها
على روحه السلام

mood يقول...

اما انا فقد داهمني البكاء وبقيت ارتجف وانا اهذي غسان ...غسان

فعلا غسان انسان متتفرد له نكهته التي لا يستطيع الزمن محواها

فمنذ ان سكن روحي وجسده الضئيل وروحه الكبيرة تغزوني حتى تماهيت معه وكأني انا من رافقته وعشت معه

كان يقرأ معي وينام معي ويخرج معي

اكلمه ويكلمني

منذ ان كنت طفلا كنت ارى صورته وصورة جيفارا معلقتين على حائط بغرفة ضيوف بيت خالي الباردة كنت ارقبه والتفت له كانت عيناه تطاردني اينما التفتت وكأنه يعرفني ويراقبني

امي كانت تقول عنه هو عندما سألتها مرة هو نبيهم يمّا

فعلا امي هو نبي ...نبي بلا وطن

اهلا بعودتك

ابوعدي