السبت، 11 يوليو، 2009

انثى ترفض العيش

isolation_by_mkorchia 

الرواية الأولى للكاتبة والفنانة التشكيلية الإمارتيةمريم مسعود الشحي ، تتخذ من البوح الذاتي والشخصي الخاص، إطاراً عاماً لسرد يبحث عن تفريغ مكنونات نفس باحثة عن الخط الوهمي الذي يفصل بين الخاص والعام، بين حقيقة الواقع وبين الوجود الثمين لأشخاص حقيقيين اختاروا لأنفسهم تكويناً ذاتياً مختلفاً يسمو عن هذا الواقع ويخرج منه.

يشكّل هؤلاء الأشخاص دعماً ومثالاً وعالماً بديلاً للمقربين منهم، وخسارتهم ستكون فادحة وأليمة حين يقرر الموت تغييبهم. ما الذي ستواجهه الابنة "نوره" لحظة موت الأب الذي كان أحد هؤلاء الأشخاص، والذي لعب أيضاً دوراً مزدوجاً بعد وفاة أمها، بالتفرغ لها ورفضه الزواج "لم تشأ أن تزج بأنثى أخرى في صراع حياتك سواي؟ ستتلقى ضربة مثلثة الأبعاد، لقد خسرت الأب والأم، كما خسرت أيضاً هذا الوجود الثمين والمعين. بفقدان هذا الأب الشفاف والمثالي، والمثقف الذي درّبها على تذّوق الجمال في الفنون وفي الآداب، تكون قد فقدت دفعة واحدة كل مصادر الفرح والجمال، التي جمعها كلها في شخصه. ستحس وكأنها تدفن معه كل ما هو جميل في حياتها، وتقول: "خواء عقلي الذي أصبح كمقبرة لدفن الأشياء الجميلة".

"بعد زهاء سبع سنوات، ها أنا أكتب اليوم آخذة بنصيحة ذاك الطبيب الذي طلب إلي أن أبدي ردة فعل حقيقية لتخرج جثة الحزن.. والصمت من داخلي وألا أحرق كل شيء جميل في عقلي". " آه يا أبي! اليوم قررت أن أكتب لك أن أكتبك وقبل أن أفقد عقلي سأكتب لك.."، من معاناتها هذه خرجت هذه الرواية التي تربط الكتابة بكونها طريقة لمعالجة الروح، والوقاية من الجنون، ولتوحيد الذات التي باتت منقسمة ومشتتة وفاقدة لأي دفاع بعد أن سقط الفاصل والسدّ الذي حماها من الواقع. بات هذا الفقدان يقيس حياتها ويحددها، ففي علاقتها بالرجل تقول: "كنت أريد فقط أن أتكئ عليه، أن أبوح بالقول والشعور، أن أحاول معه أو به أن استرد إيماني الغائب بتأشيرة طائر مهاجر، وأن أبكي رجلاً بحضرة آخر"، "أريده كأبي، كسلاطين المجد.. أريده فقيراً ثروته مشاعري".

مع سارة ابنة عمها ستكتشف أنها بحاجة للمساعدة، فهي التي شعرت بمرضها قبل أن تدركه، وهي التي أنقذتها من حالة انتحار. سيغير موت الأب من عنجهية الجد "ذاك المتسلط والمتحكم في كل الأشياء"، "كيف لا والموت يكسر". وستلاحظ هذا التغيير عمتها سعاد التي "لا تعرف من أبيها سوى الوجه الصارم".

من خلال هذه الأزمة النفسية التي تعيشها بطلة الرواية، يتعرف القارئ في هذه الرواية الصادقة والوجدانية المعبّرة، على العديد من المفاهيم والآراء الثقافية المتنوعة، ويتعمق في شؤون الحياة ومشاعر الحماية والحب والصداقة، إلى كل من الشيء وضده: الفرح والألم، الحياة والموت، العلم والجهل، الانفتاح الذهني والتزمت، إلى ما هنالك..

ليست هناك تعليقات: